عبد الكريم الخطيب
289
التفسير القرآنى للقرآن
من بعده ؟ وإذا كان من تقدير اللّه ألا يكون للمرأة مثل هذا الحق ، أفكان من التدبير الحكيم أن يلوّح لها بهذا البر وتلك المواساة في آية كريمة ، ثم تحرمه وتذاد عنه بآية أخرى من آيات الكتاب الكريم ؟ وإذا أقمنا الآية الكريمة على تلك الموازين التي يزن بها علماء التفسير ضوابط الناسخ والمنسوخ ، نجد أن أهمّ الاعتبارات التي جاء من أجلها النسخ عندهم هي : 1 - التدرج في الأحكام ، رحمة بالناس ، وتخفيفا عليهم ، وذلك حين يكون الحكم متعلقا بعادة متأصله في النفوس ، ثم تقضى الشريعة بتحريمه ، فإنها حينئذ لا نفجأ الناس بهذا الحكم مرة واحدة ، بل تدخل عليهم به على عدة مراحل ، في رفق وأناة ، وفي تدرج . . من الخفيف ، إلى الثقيل ، إلى ما هو أثقل منه ، كما حدث ذلك في تحريم الخمر والربا ، على ما يقولون في الآيات الناسخة والمنسوخة فيها ، وهو ما لا نقول به ، كما عرضنا له من قبل . 2 - التخفيف على الناس ، مراعاة لتغير الظروف . . كما كان الأمر في قتال المسلم عشرة من المشركين ، وذلك في أول الإسلام ، فلما كثرت أعداد المسلمين ، خفف اللّه عنهم ، هذا فكان على المسلم قتال مشركين اثنين بدلا من عشرة . 3 - تغليظ الحكم لا تخفيفه ، وذلك لتغير الظروف أيضا . . فلم يكن على المسلمين قتال في أول الدعوة الإسلامية ، ثم لما دخل في الإسلام الأنصار واجتمع إليهم المهاجرون أذن اللّه لهم في قتال من قاتلهم . . ثم لما قويت شوكة الإسلام ودخل الناس في دين اللّه أفواجا جاء الأمر بقتال المشركين متى طالتهم يد المسلمين . تلك هي أهم الضوابط التي رآها علماء التفسير داعية إلى نسخ ما نسخ من آيات الكتاب الكريم .